المرأة والمرض النفسي ..وصمة عار مجتمعية و خطوة نحو العلاج

امل وحيش – نسوان فويس

تتوالى الضغوط والأزمات واحدة تلو الأخرى خاصة بعد الحرب التي أدت إلى تدهور الاقتصاد و ارتفاع نسبة الفقر و الجوع و البطالة و غيرها من الآثار السيئة ، كل ذلك كون لدى المرأة كتلة من الضغوط النفسية التي أهلكت روحها قبل الجسد ، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالمرض النفسي لدى النساء مقارنة بالرجال خاصة في مجتمعنا الذي يحرم العلاج النفسي و ينظر إليه على أنه عار يجب التخلص منه.

تجاوز نظرة المجتمع

أم محمد إحدى النساء اللاتي يقمن بالتردد على مؤسسة التنمية و الإرشاد الأسري للعلاج من حالة الغضب و التوتر التي تعيشها خاصة بعد الحرب بسبب زيادة الضغوط و تردي الوضع الاقتصادي و تدهور الحالة المادية لدى كثير من الأسر من ضمنها أسرتها :” تعبت أصبحت عصبية و أفكر كثير و اهم الديون اللي علينا أتشنج بسرعة واضرب عيالي و جسمي كله تاعب مقدر أتحرك بسهولة أي عمل أعمله أتعب بسرعة” عن السبب الذي دفعها للعلاج النفسي تقول أم محمد إن السبب وراء قصدها الطب النفسي هي خالتها التي كانت تتلقى العلاج في المؤسسة و أرشدتها إليها كي تستشير مختص عن سبب الحالة التي هي عليها ، و بالفعل قررت أن تتعالج رغم نظرة جيرانها للموضوع باستهجان إلا أنها تجاهلت النظرة السلبية و بادرت بالعلاج النفسي حيث صنف الدكتور حالتها بأنها تعاني من “اضطراب القلق” – و يعاني المصابين بالقلق العام من خوف و قلق دائم غير محدد ، و يصبحون مهتمين بشكل كبير بالأمور اليومية – و تؤكد أم محمد بأن حالتها استقرت و أنها تغيرت كثيراً بعد ذهابها للمختص النفسي الذي ساعدها في التخلص من كثير من الأمور السلبية التي كانت تمارسها خاصة ضد أولادها.

تقبلوا مريضكم

أما أم (عبير) اسم مستعار رفضت ذكر اسمها أو اسم ابنتها خوفاً من الأهل ، التقيناها في المؤسسة أثناء مجيئها لأخذ العلاج الخاص بابنتها المتزوجة من ابن عمها و تسكن في مدينة ذمار و التي تعاني من حالة نفسية منذ ما يقارب 9 سنوات و قد بدأت بالعلاج النفسي منذ حوالي ٣ سنوات و بدأت بمتابعة الطبيب المعالج باستمرار حتى أقر لابنتها أدوية تقول إنها تُهدئ من حالتها التي أصبحت محرجة في نظر الأهل لدرجة أنها أُودعت المصحة لأكثر من مرة و في كل مرة تمكث لأسابيع حتى تستقر حالتها.

زوج ابنتها أكثر من يعاني من كلام الناس و نظرة المجتمع التي تجعل من المريض النفسي وصمة عار و بمجرد زيارته للطبيب النفسي فقد أجرم تقول أم عبير” زوج بنتي ما فيش مخلوق و ما قد أوجعه لكنه يحبها و هي تحبه إنما هذا ابتلاء من أرحم الراحمين و الحمد لله”.

تصف الأم جمال ابنتها و طيبة قلبها و كيف كانت ذكية في المدرسة و مجتهدة ، لكن صحتها فجأة تدهورت تدريجياً و لم يبق مكان إلا و ذهبوا بها إليه للعلاج ، لكن قدرة الله لم تشأ بعد فكان الملاذ الأخير هو العلاج النفسي بعد ظهور أعراض نفسية خطيرة قد تصل إلى الإضرار بالمريضة و من حولها فبدأت رحلة العلاج منذ ما يقارب ثلاث سنوات متحدية المجتمع و الأهل الذين اعترضوا على عرضها على طبيب نفسي خوفاً من كلام الناس ، لكن الأم أصرت لأنها كما تقول أكثر من يتعب و أكثر من يتألم عند رؤية ابنتها تتألم .

تدعو أم عبير إلى التعامل مع المرض النفسي على أنه مرض مثله مثل غيره و ألا يُنظر للمريض النفسي نظرة استحقار لأن نظرتهم هذه تسبب القهر .

أنهت حديثها لمنصة “نسوان فويس” برسالة لأهل المريض خاصة إذا كانت امرأة بأن يتقبلوا مريضهم و أن يتعاملوا معه برحمه و يبتعدوا عن مهاجمته و تعنيفه لأن ذلك يزيد حالته سوءاً.

ما هيش مجنونة!

أم ريان تخبرنا أن زوجة خالها كانت تعاني قبل أعوام من نوبة بكاء شديدة و ضيق مستمر و قلق و شك من أي شيء حولها و قد عُرضت على أكثر من طبيب ، لكن الفحوصات و التحاليل تؤكد أنه لا توجد لديها أي مشكلة عضوية ، فأشارت على خالها بأن يعرضها على مختص نفسي لأن الأعراض التي لديها توحي بتعرضها لصدمة معينة ، لكن رده كان عنيفاً فقد قال لها بالحرف :” أنت تجننيها و ما بش بها شي ، مجنون أوديها عند دكتور نفسي ما هيش مجنونة” تكمل أم ريان بأن زوجة خالها عانت و كانت حالتها تزداد سوءاً حتى أنهم ذهبوا لمشعوذين و مقرئين ، لكن لا نتيجة إيجابية تذكر  ، و بعد سنوات من كلامها مع خالها أخيراً اقتنع و بدأ بعلاجها عند طبيب مختص الذي أكد أنها عانت من صدمة

وصمة مجتمعية

تعاني كثير من النساء اليمنيات من حالات نفسية ترجع لأسباب كثيرة أبرزها تأثير الحروب على نفسيتها كونها العمود الذي تتكئ عليه الأسرة ، و بحسب الدكتورة منيرة النمر دكتور معالج و رئيس الوحدة النفسية في مستشفى الرسالة و الطب النفسي و علاج الإدمان فإن الحروب أثرت تأثير كبير على الجميع خاصة المرأة

الحروب أثرت على الكل سواء كان طفل أو كبير بالسن أو حتى المرأة بينما المرأة أثر عليها أكثر بحكم الطبيعة العاطفية للمرأة و كذلك متطلبات الحياة اليومية”. و من هذه المتطلبات التي تؤدي لإصابة المرأة بالقلق و الاكتئاب و الاضطرابات النفسية الأخرى نتيجة تدهور الوضع المادي في الأسرة و ذلك بسبب ما خلفته الحرب من كوارث. هذه الضغوط النفسية التي تتعرض لها المرأة قد تؤثر على صحتها الجسدية و على من حولها في حال لم يتم معالجة الأمر قبل أن يتطور ، و ترجع الدكتورة النمر السبب الرئيسي وراء عدم تقبل المجتمع للعلاج النفسي خاصة علاج المرأة إلى النظرة القاصرة للمجتمع تجاه المرض النفسي و التي توصم من يذهب لمختص نفسي بوصمة عار..

دراسة

دراسة  لمؤسسة التنمية و الإرشاد الأسري توضح النسبة العامة لانتشار الاضطرابات النفسية في الجهورية اليمنية

في الانفوجرافيك التالي:

تعتبر نسبة و معدل انتشار الاضطرابات النفسية في اليمن من أعلى النسب و المعدلات في العالم و مشابهة لنسب و معدلات الدول التي تمر بظروف الطوارئ.

 كما تعاني اليمن من نقص حاد في الكوادر المتخصصة في الطب النفسي و نقص في التجهيزات و الأدوية و المستلزمات المتعلقة بتقديم خدمات الصحة النفسية المتخصصة ، كما يوضحها الانفوجرافيك التالي :

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ArabicEnglishFrenchSpanishTurkish