النسوية في اليمن؛ بين الإسهامات، والتحديات

عمران مصباح – نسوان فويس

لقرون عديدة، بقيت المرأة تعاني نوعا من التمييز لصالح الرجل، إلا أنه، في العصر الحديث، هناك إعادة حسابات لكثير من السلوكيات المتراكمة، ونتيجة لذلك التوجّه المعاصر، نشأت وتشكّلت تكتلات جديدة كالنسوية، وهي تسعى لإزالة الفروق بين الجنسين، باستعادة حقوق سُلبت مِن النساء. انتشر ذلك النشاط في دول عدّة من العالم. ومواكبة لذلك، وُجدت أصوات يمنية تنشد الهدف نفسه، في ظل ظرف تصف فيه تقارير دولية وضع المرأة اليمنية بأنه الأسوأ من بين نساء العالم، في سياق هذا التحقيق، وبمجموعة ناشطات في عدة مجالات مهمة، نحاول معرفة مدى تحول تلك الأصوات إلى حركة كاملة، وما المكاسب التي حقّقتها، وكذلك صحّة النقد الذي يعترض نشاطهن، بالإضافة إلى التحديات، والصعوبات التي تعترض العمل النسوي المحلّي.

الحركة النسوية

عالمياً لا يُعدّ عمر الحركة النسوية طويلا، بل قصير إلى حد ما، وبالرغم من أن هناك كتابات تُصنف النسوية بأنها قد ظهرت منذ قرون، ويرجع الباحثون موجته الأولى بوصفها حراكا إلى أربعينيات القرن التاسع عشر عندما خرجت النساء في أمريكا وبريطانيا للمناداة بحق الاقتراع، أما محلياً، فلا تصنف النساءُ الأصواتِ الموجودة بالحراك النسوي. رانيا عون، محامية وناشطة حقوقية، تقول إن النشاط النسوي في اليمن لا يمكن تصنيفه حركة نسوية بعد، بل هو نشاط محصور على مجموعة من النساء من طبقة معينة، وخلفية ثقافية أسرية محددة، مضيفة: “من الصعب أن يتشكّل تكتل نسوي مدني يعمل بشكل منظّم لاستعادة حقوق المرأة، وذلك لوجود شرائح مجتمعية مختلفة ذكوراً ونساء تعمل بشكل مضاد، بالإضافة إلى أن الحياة في اليمن محكومة بتكتلات دينية سياسية لها دور أساسي في إحباط النشاط النسوي”.

عن النشاط النسوي في اليمن، وما يُعدّ بالتحديد، أو ما الصفة التي يمكن أن يتصف بها العمل النسوي، تقول خلود الوادعي، وهي إعلامية ومقدّمة برامج إذاعية: “لا أعتبرها حركة، لأنّ ذلك يتطلب العمل المستمر والأنشطة، وتغييرات تحصل بشكل دائم، وذلك غير حاصل، لكن بإمكاننا القول إنه نشاط، أو أن نصفهن بالمدافعات عن حقوق الإنسان، لأن دعمهنّ مقتصر على بعض المواقف، وبالطبع لا أُعمم. أيضاً ليس من الضروري الانتظار إلى أن يوجد حدث مُضر لأجل الظهور والدفاع عن حقوق النساء. أتذكّر قبل أعوام كان هناك حديث عن تشكيل حركة نسوية، لكن إلى حد اللحظة، يُعتبر نشاطا يعتمد على الموقف فقط، وهؤلاء المدافعات بشكل عام من حقّهن الدفاع عن حقوقهن، وبالشكل المناسب لهن”، كما تضيف الوادعي أن شرط وجود تكتل نسوي منظم يرتكز على المصداقية، حتى يتسم عملهن الحقوقي بالموضوعية، فعندما يُوجّه الأمر بشكل صحيح، سيُسهم ذلك في التغيير بشكل أفضل، كما يتطلب أيضا دعما حكوميا ومجتمعيا. وتختتم الوادعي حديثها: “بشكل عام، كل منشور لأجل النساء، أو كتابة ما، أو حملة مناصرة -شيء يستحق الاحترام جداً”.

لا يمكن الجزم بعدم وجود حركة نسوية في اليمن، قد يكون هناك حركة لا تظهر بسبب التضييق على الفضاء العام. في هذا الشأن، تتحدث الناشطة النسوية تسابيح الحُرَيمي قائلة: “من الممكن وجود حركة نسوية، لكن بسبب القوانين والعادات الموجودة في اليمن، يصعب جداً أن تعلن عن نفسها حركةً، وقد تبقى طيّ الكتمان، لأسباب شخصية لرائدات تلك الحركة، والذي أعرفه أن هناك عملا منظما وممنهجا تقوم عليه نساء، لكن دورهن فقط يقتصر على التوعية، ولم يمتدّ نشاطهن إلى عمل ميداني وواقعي. كما أنّ شروط العمل النسوي هو الإيمان بجميع الحقوق النسوية فقط، أي ليس إيمان بحقّ من دون آخر”.

إن كانت هناك أصوات، أو حركة، أو مجموعة تكتلات، فإن ذلك كله لا يهم، بقدر أهمية الهدف، وأن يكون ذلك النشاط ردّة فعل لما تعانيه النساء، كما تقول شذى الأغبري، منسقة أصوات السلام النسوية، وعضو التضامن النسوي، وتضيف: “هناك جهود نسوية كثيرة للنساء اليمنيات، إلا أنه حتى تلك الجهود تتعرض فيها النساء لكثير من الانتقادات مهما كان دورها، سواء أكان حقوقيا، أم إنسانيا، أم سياسيا، فدائماً ما توصف المرأة بأنها غير نافعة، لكن هناك وعي للمرأة بدورها، وقوتها في تغيير المشهد، والنساء اليمنيات باستطاعتهن تحقيق ما يردن، سوى عبر تكتلات، أو بأصوات فردية”.

إسهامات النسوية

لكل فعل نتيجة ما، والنشاط النسوي الذي ابتدأ منذُ وقتٍ قريب، قد يكون حقَّق فائدة معينة، عن ذلك تتحدث الناشطة النسوية شذى الأغبري، قائلة: “عملتُ على تعديل القوانين التمييزية الموجودة في الدستور، وكانت هناك توصيات خاصة بحقوق المرأة التي اتُّفق عليها بمؤتمر الحوار الوطني في فريق الحقوق والحريات بشأن المواد التي تحمي وتعزّز حقوق المرأة في اليمن، وهذه فرصة وضمان لحماية حقوق المرأة في الدستور الجديد، وتعزيز هذه الحقوق من واقع القوانين، والسياسات الوطنية”.

بكل تأكيد، أصبح الجميع يلحظ أن هناك أصوات نسوية تتزايد كل يوم، سواء أكان في الواقع، أم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل أو آخر، وقد أحدثت تلك المناداة بعض التغير. تتحدث المحامية رانيا عون، قائلة: “وجود تلك الأصوات أسهمت في تحسين الوضع النسوي في اليمن، وتغيير بعض ما كان سائدا في السابق، فمثلاً: لطالما اعتُبرت الأسرة اليمنية أن تطور الفتاة علمياً ومهنياً ليس مهماً بقدر زواجها، واهتمامها بأسرتها، لكن تردّي الوضع، وذهاب المرأة إلى العمل، جعل الشهادة الجامعية، والعمل يحظى بأولوية بشكل أكبر. ارتفاع درجة الوعي عند المرأة بأهمية حصولها على التعليم الكافي لإبراز ذاتها أسهم في تدعيم جدوى النشاط النسوي، وأهمية منافسة الرجل في الساحات العلمية والعملية”.

هل أصبح للنسوية حضور مؤثر، وفعّال في المجتمع؟ الناشطة النسوية تسابيح الحريمي، تجيب: “نعم، هناك نشاط نسوي بشكل كبير في حياتنا، وكذلك بوصفه خطابا في الشأن العام، وذلك أسهم بشكل كبير وملموس جداً؛ لأنه أخرج النساء من الدائرة التي كانت تقيّدهن، فحصلت نقلة نوعية في وعي النساء، وهذه أهم مرحلة برأيي، لأجل أن تبدأ النساء أنفسهن في العمل على معرفة حقوقهن، والانطلاق في الحصول عليها، وأن يخرجن من الاستلاب العقائدي والمجتمعي الذي فُرض عليهن، ولو على مستوى الوعي”، هكذا تقول النساء عن التغيير الذي قد حصل. وعن الاختلاف في وضع المرأة، تتحدث الإعلامية خلود الوادعي قائلة: “هناك تحسّن كبير، وإذا أجرينا مقارنة بين ما قبل 2011 والآن، فسنجد أن هناك فرقا كبيرا على مستوى الوعي، أو الاستحقاق الذاتي، وأنهن يشعرن بالقيمة، ويدركن أن المساواة في الفرص هي الأهم، وهذه النقطة تحديداً تُستغل بانتقاد النسوية لقصور في فهم المساواة، كما أن المسألة ليست منافسة مع الرجال، ولكن النساء يردن فرصهن فقط”، وتضيف خلود أن النشاط النسوي لم يرفع وعي المرأة فحسب، بل الوعي الجمعي كلّه، ويظهر ذلك في أي نقاش مع رجل أو امرأة، بعكس السابق حين كانت المرأة تمنع حتى من الخوض في النقاش، بينما الآن هناك رجال كثير ينادون بحقوق النساء.

تحفّظ الرجال ضد النسوية

ثمة خطاب نسوي لا يكتفي بمناصرة النساء فقط، بل يوجه له انتقاد بأنه معادٍ للرجل، وفيه من العصبية ما يكفي لدفع الرجل نحو التحفّظ، عن ذلك تجيب منسق أصوات السلام في اليمن، شذى الأغبري قائلة: “يمكن وجود حالات متعصبة، لكن لا يجب التعميم على جميع الأصوات النسوية التي تعمل بصدق، وجهد للتغيير والسلام. والتعصب منبوذ سواء أكان من الرجل، أم من المرأة، إلا أن وجود اليمن في المرتبة الأخيرة من المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين، وللسنة الثالثة عشر على التوالي يجعلك تتفهّم تلك العصبية الناتجة عن معاناة من عدم المساواة في النوع الاجتماعي والمتجذر بشدّة في مجتمع مسيطر عليه النزعة الذكورية”.

في تحليل خطاب النسوية اليمنية الذي قد ينفّر الآخرين، وما الذي يجب عليهن فعله، كي لا يتعرضن لأي اتهامات، تقول الإعلامية خلود الوادعي: “البعض يكنّ متعصبات بسبب ضغط نفسي ما تعرضنَ له، وذلك يصل للآخر بشكل غير جيد، وأنهن يردن معاداة الرجل، بينما هُنّ يحاولن أن يثبتن أنفسهن فقط، ويمارسن حريتهن الإنسانية، والواعون من الآخرين يفهمون أن تلك الطريقة في النشاط النسوي عند البعض تبدو بلا هدف، كما أن هناك تعليقات عصبية من النساء بعضهن ضد بعض، لا ضد الرجال وحسب، ونتيجته عكسية ضد النسوية اليمنية، لذا، من المهم جداً التعامل بموضوعية ومصداقية، وأن لا يتركن ثغرات يدخل منها الآخرون لانتقادهن، يجب التركيز على هدفهن الرئيسي فقط”.

وعن الخطاب المصادم إذا ما كان هو الخيار الصحيح، لصعوبة المطالبة بالحقوق ودياً، تؤكد تسابيح الحريمي الناشطة النسوية ذلك قائلة: “أؤمن بأن الحقوق لا تُوهب، بل تُنتزع، فإذا أبدى الرجل ردة فعل من النسوية، فإن ذلك لا يقلّل مِن حقوق النساء وعملهن، كما أن موقف الرجل محدّد واضح أساساً، كما أن أي أحد يطالب بحقوقه سواء أكان رجلا، أم امرأة، فمن الطبيعي أن يقف المجتمع ضدّه، كما أن رغبة الرجل في خطاب يراعي مشاعره غير سليم، وإن حصل له صدمة من خطاب النسوية، فهو لا يملك سوى أن يتقبّله، ومن الإيجابية أن تتناول النساء قضاياهن بعيداً عن الرجال”.

لا يوجد مجتمع في العالم تقبّل العمل النسوي في بداياته، إلا أن ذلك الشيء كان أكثر بأضعاف في اليمن، وذلك باعتباره مجتمعا تقليديا ومتمسكا بالتقاليد. وعن ردة فعل المجتمع تجاه النشاط النسوي، تجيب الناشطة الحقوقية رانيا عون قائلة: “الادعاء بأن هناك عصبية في أصوات النسوية فكرة مغلوطة، وهذا الاتهام يعود إلى نظرة الرجل اليمني لذاته، وشعوره الدائم بالعلو على المرأة، وأن قوّتها ستكون على حسابه، وعلى إضعافه، وهذه مشكلة تربوية فكرية مرتبطة بالرجل نفسه بغض النظر عمّا تنادي به النسويات. والحقيقة أنّ التعصب يكمن في شريحة واسعة من الذكور تجاه أي وجود نسوي، لا العكس، ومواجهة ذلك التعصب يتطلّب المزيد من التمسك فيما تنادي به النساء ليصبح واقعاً ملموساً ومعتاداً”.

الحرب والنسوية 

يقول مراقبون إن الحرب قد دفعت بأولويات أكثر أهمية، مثل البقاء وتوفير الغذاء، وذلك جعل من النشاط النسوي ذا أهمية أقل. وعن صحة ذلك، تقول الناشطة النسوية تسابيح الحريمي: “يستخدمون ذلك ذريعة، إلا أن الحقوق لا تتجزأ، ولا يعني وجود الحرب أن نتغاضى عن المطالبة بهذه الحقوق البديهية، فالحرب غير معلوم أجل انتهائها. لذا، الحقوق يجب أن تناقش جميعها، وفي كل وقت، مثل التعليم، وزواج القاصرات، وحرية اللبس، والاختيار، واحترام حرية المرأة. كل ذلك يجب أن يُناقش في اللحظة نفسها، ولا يمكن ادعاء تأجيل حق على حساب آخر، وهي حقوق أساسية وعادية، وليست مطالب استثنائية عالية السقف”.

 أما شذى الأغبري، فتعيد ذلك الاعتراض لأسباب غير الحرب، وتضيف: “كثيراً ما تتعرض النشاطات النسوية في اليمن للانتقاد، سواء أكان بمبرر الحرب، أم بغيره، بل أنه مستمر، تحديداً منذ أن شهدت اليمن حراكا نسويا صاحب انتفاضة 2011، ومنذ ذلك الحين، والانتقادات موجودة، إلا أنه منذ 2011، وجدت ركيزة في تأسيس يمن ديمقراطي جديد، وأدّى نشاط النساء دورا مهما في ظل كل هذه الظروف الصعبة، ويعتمد مستقبل النساء على مستقبل اليمن كاملا”.

وحول دعوى أن النشاط النسوي ليس وقته حالياً وصحة هذه الفرضية، تجيب الكاتبة، والناشطة رانيا عون، قائلة: “الحرب اليمنية لها أثر كبير على الجميع، وعززت من صعوبة وضع المرأة، لكن تلك الاعتراضات على النشاط النسوي تأتي فقط لمواجهة النساء، أي أنه كان الأجدر بهؤلاء المعارضين الذين يواجهون النساء -المناداةَ أو المعارضة لتلك الصعوبات التي أخلّت بكثير من أساسيات الحياة، بل من الغرابة أن تتعالى تلك الأصوات كثيراً في مواجهة ما يرتبط ويخص المرأة، وتختفي فيما عداها، وكأن الحرب لم تقع على المرأة إلا في ما يرتبط بحقوقها، وكأنها تعيش مرفهة في باقي أساسيات الحياة”.

بكل تأكيد، أثرت الحرب على الوضع  بشكل عام، لا على النسوية فقط، وعن ذلك، تجيب خلود الوادعي: “أولاً النشاط النسوي منذ أن وُجد، وهو يتلقّى اعتراضات كثيرة تعالت أثناء الحرب، بالرغم أنه قبلها كان يوجد انفتاح كبير تجاه الحقوق بشكل عام، وتحديداً بعد الثورة هناك كثير أناس ارتفع وعيهم، لكن بعد الحرب، الوضع العام للبلد كلّه اختلّ، ومن ضمنه العمل النسوي، ثم إن وضع النساء بشكل عام تدهور وقت الحرب، وأصبحت الانتهاكات تظهر بشكل أكبر، وهذه الانتهاكات فرصة للمدافعات لبناء حركة نسوية مكتملة، ولعمل جدّي لأجل هؤلاء النساء اللاتي يتعرضن للانتهاك”.

تحديات النشاط النسوي

هناك تحدٍّ كبير يواجه النساء، وذلك أن المجتمع اليمني يتّصف بالمحافظة، مما يزيد صعوبات العمل النسوي. عن تلك المعوقات، تتحدّث الناشطة الإعلامية خلود الوادعي: “بالتأكيد، هناك صعوبات كثيرة، فنحن مجتمع محافظ على العادات والتقاليد أكثر من الدين والإنسانية، لكن في فترة ما من الحرب كان العمل النسوي في شكل أفضل، بينما الآن تراجع قليلاً بسبب تحديات أخرى غير مجتمعية، ربما لأسباب تعود للوضع العام الاقتصادي والأمني والاجتماعي، وهذا يشمل المرأة بشأن عام، لا النسويات فحسب”.

وعن طبيعة المجتمع وصدامه مع العمل النسوي، تتحدث الناشطة شذى الأغبري قائلة: “نحن مجتمع محافظ بشكل سطحي فقط، لكننا فعلياً نسمح بالانتهاكات التي تحدث للنساء، بل نسوّغ العنف بحجّة ما، ونقف مع المجرم ضدّ المجني عليه، كما أن هناك صورا للانتهاك، مثل تحييد دورهن، وعدم السماح لهن بممارسة أعمالهن، خصوصاً العاملات في مجال السلام والأمن، وكذلك وضع القيود المجتمعية على نشاط النساء، والتحجّج بالدين والعادات والتقاليد، كل ذلك، يجعل مِن العمل النسوي وكأنه خطر ضدّ المجتمع، بينما هي حقوق عادية تطالب بها النساء هنا وهناك”.

ويذكر البعض أن هناك استشعارا كبيرا من الرجل بالخطورة من خطاب النسويات، فيجعله في مواجهة معهن ومع حقوقهن. تتحدث رانيا عون قائلة: “طبيعة المجتمع وعاداته وتقاليده وتقلباته السياسية لطالما كانت مجحفة بحق المرأة، وكأنه مِن المعيب أن يصبح لها حق، فمثلاً قد يوجد ضرر في أساسيات الحياة، ويُتغاضى عن ذلك بحجّة الحرب، ولكن لن يصمت أحد في معارضة أي موقف نسائي صادر عن امرأة يمنية في الداخل أو في الخارج، بل يعدّون أي شيء صادر عن النساء عملا مشينا، بالرغم أن النساء هؤلاء لم يتسببن في قطع قوت أحد، ولا تردي الوضع المعيشي”.

وعن الشروط الواقعية وإمكانية وجود حركة نسوية في المجتمع اليمني التقليدي بالمطالب العالمية، ترد تسابيح الحريمي: “الحركة النسوية في اليمن متأخّرة بعقود كثيرة عن الحركات النسوية في العالم العربي، والعالم أيضاً، وأعتقد أن السبب يعود للفكر الديني والتعصب، وكذلك التمسّك بالعادات والتقاليد. هذه من أبرز التحديات التي تواجه النسوية، ويشكل لها صعوبة كبيرة في الانتشار، أو استقطاب نساء، كما أن هناك أيدولوجيا تحارب أي فكر متنوّر سواء أكان نسويا أو غير نسوي، ولو حصل تغيّر في رأس الدولة، أو في المجتمع سيكون ذلك أسهل على النسوية”.

النسوية، تأثيرها ونخبويتها

يقول مراقبون إن النشاط النسوي محتكر على بعض الناشطات والتكتلات، وإنه محصور على فئة معينة فحسب. في هذا الخصوص، تتحدّث الناشطة النسوية تسابيح الحريمي قائلة: “أولاً: هناك جدل شائك بين تكتلات نسائية معينة وبين النسويات، فالمجتمع يربط النساء بهنّ فقط، ويقول إنهن منذ فترة طويلة لم يقدمن شيئا، بينما حتى تلك التكتلات لا تدّعي أي نسوية. النسوية فكر بات منتشرا في عقول كثيرة، ولا ينحصر على فئة معينة، وكل امرأة تنادي بحقوق ترى أنها أولوية -نسوية. لكن إذا تكوّن حراك مدعوم بشكل أكبر، سيتسع العمل، وسيشمل عددا أكبر، وتكون نتائجه حماية كثير من الانتهاكات”.

رانيا عون تفسّر العمل الذي يطلق عليه البعض بالنخبوي قائلة: “بسبب طبيعة المجتمع نفسه، هناك طبقة معينة من حاملات الشهادات الجامعية والشهادات العليا، قد ساعدهن وضعهن في تخطّي كثير من العقبات التي تنشأ أسرياً وتربوياً، وأصبحت قادرة على مواجهة الصعوبات المجتمعية، في حين أن هناك طبقة ما كانت تربيتهن وحياتهن في وضع أسري منغلق لم يستطعن التغلب عليه، وعِشن مقيّدات في ظلّه، فلا يستطعن النشاط. أما عن ملامسة ذلك واقعياً، ففي الغالب القادرة على القيام بنشاط نسوي تكون محاطة بمَن هُنّ قادرات مثلها، لذلك ينحصر الأثر دائماً في تلك الفئة، لكن المشكلة أن غير القادرات على النشاط كثيراً ما يكنّ معارضات للنشاط النسوي”.

للبعض رأي يقول إن مواقع التواصل الاجتماعي هي المساحة المتاحة للعمل النسوي، وإنه لا يشمل الواقع، بينما هناك من يقول إن ذلك لا يعيب العمل النسوي، أو غيره، بل هي وسيلة حديثة للتعبير. عن ذلك، شذى الأغبري، تقول: “ليس من الصواب الزعم بأن مواقع التواصل الاجتماعي منصّات وهمية. أصبح الآن لكل شخص منصة خاصة، ويستطيع بها التعبير عما يريد، وذلك هو انعكاس تامّ للواقع، ولا أحد يستهين بقوة مواقع التواصل الاجتماعي، ومناصرتها، والتفاعل معها. هناك حوادث كثيرة حصلت لكثير من الفتيات، ولم يُبتّ في قضاياهن، وبمجرد التفاعل المجتمعي، وتحول القضية إلى رأي عام، شكّل ذلك ضغطا على الجهات المسؤولة، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة”.

الإعلامية خلود الوادعي تؤكّد أيضاً أهمية مواقع التواصل: “لا يجب الاستهانة بمواقع التواصل الاجتماعي، فمنها قامت ثورات. لكن يجب إدارة تلك الحملات، لتُحدث تغييرا إيجابيا، ولو استمرّت بعض النسويات، وعملن بشكل منظم في تبني القضايا الكثيرة التي تحصل، ستكون مشاركتهن فعالة بشكل كبير”، وتختتم الوادعي حديثها بأنها تتمنى أن يصل الوعي بالجميع إلى مناصرة حقوق الإنسان بشكل عام، من دون تصنيفها إلى نسوية، أو غيرها.

ختاماً؛ هناك نشاط نسوي مكثف، من الصعب تصنيفه على أنه عمل منظم، إلا أنه قد أحدث أثرا بشكل أو آخر، ولو على مستوى الوعي، وقد صنع للمرأة اليمنية حضورا مختلفا عما كانت عليه، كما أنه يتطور يوماً بعد آخر، ويمضي رغم الحرب، والوضع اليمني المعقد، من جهة المجتمع ومن جهة واقع الحرب، كما أن النسوية أسهمت في كثير، ولو الحماية من بعض الانتهاكات، فكل قضية تظهر للرأي العام وترافقها حملة مناصرة، ستحمي أخريات، بالإضافة إلى أن الفجوة بين الجنسين تتقلّص باستمرار، وهناك عوامل عدة جعلت الرجل اليمني يتقبل سلوكيات من المرأة لم تكن مقبولة في السابق، وقد يتحسّن الوضع مستقبلاً إذا ما وضعت الحرب أوزارها.

-أنتجت هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا ساك للإعلام والتنمية.

*الصورة للمصورة جهاد محمد

ArabicEnglishFrenchSpanishTurkish